الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
58
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ويجوز أن تكون الإشارة إلى ما كان من عزم أهل مكّة على الغدر بالمسلمين حين نزول المسلمين بالحديبية عام صلح الحديبية ثمّ عدلوا عن ذلك . وقد أشارت إليها الآية : وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ [ الفتح : 24 ] الآية . ويجوز أن تكون الإشارة إلى عزم أهل خيبر وأنصارهم من غطفان وبني أسد على قتال المسلمين حين حصار خيبر ، ثم رجعوا عن عزمهم وألقوا بأيديهم ، وهي الّتي أشارت إليها آية : وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ [ الفتح : 20 ] . وعن قتادة : سبب الآية ما همّت به بنو محارب وبنو ثعلبة يوم ذات الرقاع من الحمل على المسلمين في صلاة العصر فأشعر اللّه رسوله بذلك ، ونزلت صلاة الخوف ، وكفّ اللّه أيديهم عن المؤمنين . وأمّا ما يذكر من غير هذا ممّا همّ به بنو النضير من قتل النبي صلى اللّه عليه وسلّم حين جاءهم يستعينهم على دية العامريّين فتآمروا على أن يقتلوه ، فأوحى اللّه إليه بذلك فخرج هو وأصحابه . وكذا ما يذكر من أنّ المراد قصّة الأعرابي الّذي اخترط سيف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم وهو قائل في منصرفه من إحدى غزواته ، فذلك لا يناسب خطاب الّذين آمنوا ، ولا يناسب قصّة الأعرابي لأنّ الّذي أهمّ بالقتل واحد لا قوم . وبسط اليد مجاز في البطش قال تعالى : وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ [ الممتحنة : 2 ] ويطلق على السلطة مجازا أيضا ، كقولهم : يجب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر على كلّ من بسطت يده في الأرض ؛ وعلى الجود ، كما في قوله تعالى : بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ [ المائدة : 64 ] . وهو حقيقة في محاولة الإمساك بشيء ، كما في قوله تعالى حكاية عن ابن آدم لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ [ المائدة : 28 ] . وأمّا كفّ اليد فهو مجاز عن الإعراض عن السوء خاصّة وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ [ الفتح : 20 ] . والأمر بالتقوى عقب ذلك لأنّها أظهر للشكر ، فعطف الأمر بالتّقوى بالواو للدلالة على أنّ التّقوى مقصودة لذاتها ، وأنّها شكر للّه بدلالة وقوع الأمر عقب التذكير بنعمة عظمى . وقوله : وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ أمر لهم بالاعتماد على اللّه دون غيره . وذلك التّوكل يعتمد امتثال الأوامر واجتناب المنهيات فناسب التّقوى . وكان من مظاهره تلك النّعمة الّتي ذكّروا بها .